سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
296
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
فانقلبوا بنعمة من اللَّه وفضل لم يمسسهم سوء واتّبعوا رضوان اللَّه واللَّه ذو فضل عظيم » [ آل عمران : 173 ، 174 ] . اندفع المسلمون في أوائل نشأتهم إلى الممالك والأقطار يفتحونها ويتسلطون عليها فأدهشوا العقول وحيروا الألباب بما دوّخوا من الدول وقهروا من الأمم وامتدت سلطتهم من جبال بيريني الفاصلة بين إسبانيا وفرنسا إلى جدار الصين كما سبق القول مع قلة عددهم وعددهم وعدد اعتيادهم على الأهوية المختلفة وطبائع الأقطار المتنوعة ، أرغموا الملوك وأذلوا القياصرة والأكاسرة في مدة لا تتجاوز ثمانين سنة ! إن هذا ليعد من خوارق العادات وعظام المعجزات ! دوّخوا بلادا ودكدكوا أطوادا ورفعوا فوق الأرض أرضا ثانية من القسطل وطبقة أخرى من النقع وسحقوا رؤوس الجبال تحت حوافر جيادهم وأقاموا بدلها جبالا وتلالا من رؤوس النابذين لسلطانهم وأرجفوا كل قلب وأرعدوا كل فريصة وما كان قائدهم وسائقهم إلى جميع هذا إلا الاعتقاد « بالقضاء والقدر » ! هذا العتقاد هو الذي ثبتت به أقدام بعض الأعداد القلية منم أمام جيوش من الأعداء يغص بها الفضاء ويضيق بها بسيط الغبراء فكشفوهم عن مواقعهم ورودوهم على أعقابهم . بهذا الاعتقاد لمعت سيوفهم بالمشرق وانقضت شهبها على المتهجمين للحروب من أهل المغرب وهو الذي حملهم على بذل أموالهم وجميع ما يملكون من رزق في سبيل إعلاء كلمتهم لا يخشون فقرا ولا يخافون فاقة ! هذا الاعتقاد هو الذي سهل عليهم حمل أولادهم ونسائهم ومن يكون في حجورهم إلى ساحات القتال في أقصى بلاد العالم كأنما يسيرون إلى الحدائق والرياض ، وكأنهم أخذوا لأنفسهم بالتوكل على اللَّه أمانا من كل غادرة وأحاطوها من الاعتماد عليه بحصن يصونهم من كل طارقة ، وكان نساؤهم وأولادهم يتولون سقاية جيوشهم وخدمتها فيما تحتاج إليه ولا يفرق النساء والأولاد عن الرجال والكهول إلا بحمل السلاح ولا تأخذ الناس رهبة ولا تغشى الأولاد مهابة . هذا الاعتقاد هو الذي ارتفع بهم إلى حد كان ذكر اسمهم يذيب القلوب ويبدد أفلاذ الأكباد ، حتى كانوا ينصرون بالرعب يقذف به في قلوب أعدائهم فينهزمون